أحمد الشرباصي
230
موسوعة اخلاق القرآن
الفاضلة المشرقة في ذات الانسان ، ويكون إزهاق النوازع الخبيثة الرديئة ، ولذلك يقول بشر : « لو تفكر الناس في عظمة اللّه تعالى ما عصوا اللّه عز وجل » . ويرى الامام الغزالي ان من ثمرات التفكر تكثير العلم وتوسيع المعرفة ، والمعارف إذا اجتمعت لدى الانسان وترتبت أثمرت معرفة أخرى ، لأن المعرفة انتاج المعرفة ، فإذا حصلت معرفة جديدة أدت إلى معرفة أخرى ، وهكذا يمتد النتاج ، ويمضي الفكر إلى غاية بعيدة . وما أجمل الشافعي في تصويره لثمرة التفكر بقوله : « صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور ، والعزم في الرأي سلامة من التفريط والندم ، والروية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة ، ومشاورة الحكماء ثبات في النفس وقوة في البصيرة ففكّر قبل ان تعزم ، وتدبّر قبل ان تهجم ، وشاور قبل تقدم » . وإذا كان التفكر بهذه المنزلة ، وثمرته بتلك المكانة فالمصيبة كبيرة حين يحرم الانسان فضيلة التفكر ، ولقد روي أن الحسن قرأ قوله تعالى في سورة الأعراف : « سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ » . ثم ذكر الحسن ان معنى « الصّرف » هنا هو ان اللّه جل جلاله يمنع هؤلاء الأشقياء التفكر في امر اللّه عز وجل . * * ولقد يسأل سائل عن طريق التفكر ، والجواب أن التفكر يتحقق أولا على وجهه الكامل بنور إلهي في القلب يحصل بالفطرة ، وقد يتحقق التفكر بالمحاولة والتعلم والممارسة ، فيحمل الانسان نفسه على أن تتفكر وتتدبر ، ويكرر ذلك فإذا التكرار يورثه عادة ، وإذا العادة تعمّق جذورها فكأنها طبيعة .